ابراهيم بن عمر البقاعي
168
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
قريب ولا بعيد وَالرَّسُولُ أي الذي أرسل إليكم لتجيبوه إلى كل ما يدعوكم إليه وهو الكامل في الرسلية يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي ساقتكم وجماعتكم الأخرى ، وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير لا يبلغون أربعين نفسا - على اختلاف الروايات - وثوقا بوعد اللّه ومراقبة له ، يقول كلما مرت عليه جماعة منهزمة : « إليّ عباد اللّه ! أنا رسول اللّه ! إليّ إليّ عباد اللّه » « 1 » كما هو اللائق بمنصبه الشريف من الاعتماد على اللّه والوثوق بما عنده وعد من دونه من ولي وعدو عدما ؛ وإنما قلت : إن معنى ذلك الانهزام ، لأن الدعاء يراد منه الإقبال على الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى ، فعلم بذلك أنهم مولون عن المقصود وهو القتال ، وفي التفسير من البخاري عن البراء رضي اللّه تعالى عنه قال : جعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على الرجالة يوم أحد عبد اللّه بن جبير رضي اللّه تعالى عنه وأقبلوا منهزمين ، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم ، ولم يبق مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم غير اثني عشر رجلا « 2 » . ولما تسبب عن العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى : فَأَثابَكُمْ أي جعل لكم ربكم ثوابا غَمًّا أي باعتقادكم قتل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان اعتقادا كاذبا ملتئم به رعبا بِغَمٍّ أي كان حصل لكم من القتل والجراح والهزيمة ، وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب لأنه كان سببا للسرور حين تبين أنه خبر كاذب ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سالم حتى كأنهم - كما قال بعضهم - لم تصبهم مصيبة ، فهو من الدواء بالداء ، ثم علله بقوله : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ أي من النصر والغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ أي من القتل والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ذلك بالسرور بحياة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . ولما قص سبحانه وتعالى عليهم ما فعلوه ظاهرا وما قصدوه باطنا وما داواهم به قال - عاطفا على ما تقديره : فاللّه سبحانه وتعالى خبير بما يصلح أعمالكم ويبرئ أدواءكم - : وَاللَّهُ أي المحيط علما وقدرة خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ * أي من خير وشر في هذه الحال وغيرها ، وبما يصلح من جزائه ودوائه ، فتارة يداوي الداء بالداء وتارة بالدواء ، لأنه الفاعل القادر المختار . ولما كان أمانهم بعد انخلاع قلوبهم بعيدا ، ولا سيما بكونه بالنعاس الذي هو أبعد شيء عن ذلك المقام الوعر والمحل الضنك عطف بأداة البعد في قوله : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ ولما أفاد بأداة الاستعلاء عظمة الأمن ، وكان متصلا بالغم ولم يستغرق زمن ما بعده أثبت الجار فقال : مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أي المذكور وأنتم في نحر العدو أَمَنَةً أي أمنا عظيما ، ثم أبدل منها تنبيها على ما فيها من الغرابة قوله : نُعاساً دليلا قطعيا ،
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير في تفسيره 8048 و 8049 عن قتادة والسدي به . وأخرجه ابن المنذر من طريق جريج عن ابن عباس كما في الدر المنثور 2 / 153 . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 4067 في المغازي من حديث البراء .